منارة العنق بالدار البيضاء.. معلمة بحرية شاهدة على ذاكرة المدينة | ||
| ||
|
تُعد منارة العنق، المطلة على الساحل الأطلسي غرب مدينة الدار البيضاء، واحدة من أبرز المعالم التاريخية البحرية بالمغرب، ومكوّنًا بصريًا راسخًا في ذاكرة المدينة. منذ تشييدها سنة 1919، أدّت هذه المنارة وظيفة حيوية في الإرشاد البحري، موجّهة السفن القادمة نحو ميناء الدار البيضاء، ومحذّرة إياها من الصخور والمياه العميقة التي تحيط بشبه جزيرة العنق. بنيت المنارة، التي تقع بين شاطئي عين الذئاب والعنق، وفق تصميم معماري دائري، بعلو يبلغ 51 مترًا، وبشعاع ضوئي يمتد لمسافة تناهز 30 كيلومترًا في عرض المحيط، ما جعلها لفترة طويلة من الزمن إحدى أهم نقاط التوجيه البحري في الساحل الغربي المغربي. ويبلغ عدد درجاتها الداخلية 256 درجة، تقود إلى قمتها حيث كانت تشتغل عدسة "فرينيل" من المرتبة الثانية، تعتمد على الزئبق كمادة ناقلة وتصدر ثلاث ومضات ضوئية كل 15 ثانية. ورغم التطورات التكنولوجية الحديثة في أنظمة الملاحة البحرية، ما تزال منارة العنق تحتفظ بقيمتها الرمزية والمعمارية، وتُعد من بين أعلى المنارات في المغرب.
وتكمن خصوصيتها في موقعها الجغرافي المميز، الذي يتيح رؤية بانورامية لواجهة المدينة البحرية، خصوصًا عند غروب الشمس، ما يجعلها عنصرًا جماليًا متكاملًا ضمن فضاء الكورنيش البيضاوي. وبينما تحوّلت المنارة إلى عنصر بصري مألوف لمرتادي الكورنيش والمقيمين في المنطقة، لا تزال مغلقة في وجه العموم، دون أن تستفيد من أي مسار تأهيلي سياحي أو ثقافي يليق بقيمتها التاريخية.
ورغم الأصوات المتزايدة التي تدعو إلى إدماجها ضمن مشاريع تثمين التراث العمراني للدار البيضاء، لم تشهد المنارة أي تدخل يذكر من حيث الترميم أو إعادة التوظيف، ما يجعلها اليوم "منارة بلا ولوج"، تُشاهَد من بعيد، دون أن تُستكشف من الداخل. إن الحفاظ على منارة العنق لا يتعلق فقط بصيانة بنية من الإسمنت والحجر، بل بصيانة ذاكرة جماعية ارتبطت بهذه البناية البحرية التي طالما وجّهت السفن، وتنتظر اليوم من يوجّه الاهتمام نحوها، لتعود إلى الحياة كفضاء مفتوح للزيارة والمعرفة، ومكوّن من مكونات الهوية البحرية لمدينةٍ تُطلّ على المحيط ولا تلتفت أحيانًا إلى أقدم شهوده. | ||