| الدار البيضاء تحتضن توقيع كتاب عن أحمد فرس وحكاياته الخاصة |
| وزارة الفلاحة وFAO تطلقان برنامج SIPAM لحماية التراث الزراعي |
|
| زناتة تحتضن دوري Moverz U14 لكرة القدم لفائدة الفئات الصغرى |
| الدار البيضاء تحتضن سباق 10 كلم الدولي بمشاركة مرتقبة لـ15 ألف عداء |
| 2000 شاب يستفيدون من برنامج للتكنولوجيا الإبداعية بجهة الدار البيضاء-سطات |
حي أنفا بالدار البيضاء.. بين الأمس واليوم ونوسالجيا الزمن الجميل | ||
| ||
|
ترجمة عن مقال للزميلة هدى بلعابد، منشور في موقع يومية «لوبينيون» (L’Opinion) يكفي أن يجوب المرء شوارع أنفا ليقف على حجم التباين بين ما كان عليه الحي وما صار إليه اليوم. خلف جدرانه البيضاء كانت تمتد حدائق خاصة تنمو فيها أشجار الفيكس المعمرة، والجاكرندا البنفسجية، والنخيل الشامخ، والجهنميات المتألقة. أما اليوم، فإن هذا المشهد يتلاشى تدريجيا، ليحل محله الإسمنت الطري، وغبار الأوراش، ورائحة الزفت الساخن. تعود نشأة أنفا إلى النصف الأول من القرن العشرين، حين واكب التخطيط العمراني المنظم للمدينة الدينامية الاقتصادية لفترة الحماية. وقد تشكل الحي حول فيلات كبيرة شُيدت فوق قطع أرضية واسعة، غالبا ما كانت تتجاوز ألفا أو ألفي متر مربع. وكانت تصاميم التهيئة تفرض ارتدادات عمرانية محددة، ومحاذاة منتظمة، وكثافة بنائية منخفضة. ولم تكن الحدائق مجرد عنصر جمالي، بل شكلت جوهر المشهد السكني. فقد ساهمت في التهوية الطبيعية وتنظيم الحرارة وتحسين جودة العيش داخل حي صُمم كملاذ أخضر قريب من وسط المدينة والساحل. على مدى عقود، جسد أنفا صورة معينة عن "المدينة البيضاء": أناقة، وسكن راقٍ، واتساع في الفضاءات. غير أن الضغط العقاري بدأ يتصاعد منذ تسعينيات القرن الماضي، وتسارع خلال سنوات الألفية الجديدة.
الأرقام تعكس هذا التحول. فسعر المتر المربع القابل للبناء في بعض مناطق أنفا يع من الأعلى على الصعيد الوطني. ويضيف المصدر ذاته أن "القوانين العمرانية الجديدة تسمح أحيانا بإقامة عمارات متعددة الطوابق في مواقع كانت تحتضن فيلا واحدة محاطة بالأشجار". وهكذا يعمد المنعشون العقاريون إلى شراء الفيلات وهدمها ثم تكثيف البناء فوق أراضيها. وخلال سنوات قليلة، اختفت مئات الفيلات القديمة، ومعها حدائقها التاريخية. ويرى مخططون حضريون ومعماريون أن تلك الحدائق كانت تشكل تراثا منظريا قائما بذاته، حتى وإن ظل ضمن الملكيات الخاصة. فقد كانت تمثل شبكة خضراء غير مصنفة رسميا، لكنها أساسية في التوازن البيئي والعمراني للحي. ويطرح اختفاؤها إشكالية حماية التراث الحديث للقرن العشرين، الذي غالبا ما يحظى باعتراف أقل مقارنة بالمدن العتيقة أو المعالم التاريخية الكبرى. وقد حاولت عدة مبادرات التحسيس بقيمة هذا الإرث العمراني والمنظري، غير أنها لم تفلح في إبطاء الوتيرة العقارية. من جانبها، تؤكد السلطات المحلية ضرورة الاستجابة لحاجيات السكن وترشيد استغلال العقار داخل مدينة في توسع مستمر.
ويشير أحد المسؤولين الجماعيين إلى أن "وثائق التعمير المتعاقبة تسعى إلى تحقيق توازن بين التكثيف العمراني وجودة الفضاء الحضري، عبر فرض مساحات خضراء متبقية أو معاملات بناء مضبوطة". غير أن الواقع يظهر أن المنطق الاقتصادي يظل حاسما، إذ إن تحويل فيلا تحيط بها حديقة إلى عمارة سكنية يمثل مكسبا ماليا مهما للمالك والمنعش على حد سواء. إن اختفاء الحدائق الخاصة التاريخية في أنفا لا يختزل في بعد جمالي فحسب، بل يمس الذاكرة الحضرية، وتدبير التراث غير المصنف، وقدرة مدينة كبرى على التوفيق بين النمو والحفاظ على هويتها. ومع تقطيع القطع الأرضية وارتفاع البنايات، يتلاشى نموذج عمراني كان قائما على الاتساع والخضرة. ويظل أنفا حيا مركزيا ومطلوبا واستراتيجيا، لكن ملامحه تتغير، ومعها يختفي تدريجيا جزء صامت ونباتي وحميمي من تاريخ الدار البيضاء، لا يزال "القدماء" يستحضرونه بشيء من الحنين.
| ||