| النيران تلتهم أجزاء من محاصيل زراعية ضواحي بنسليمان |
| بين «شي الرؤوس» وجمع الجلود.. شباب يصنعون دخلا موسميا في أحياء البيضاء |
| نفايات ومخلفات عيد الأضحى تغرق عددا من الأحياء الشعبية في الدار البيضاء |
|
| المغرب في قلب الصناعات العالمية.. الدار البيضاء تحتضن Industry Meeting Days 2026 |
| جلالة الملك يهنئ المتسلقة العالمية نوال صفنضلة إثر الإنجاز الرياضي الكبير الذي سجلته بتسلقها لقمتي إيفيريست ولوتسي المتجاورتين |
في الدار البيضاء.. نساء يعدن إبتكار صالات العرض الفني | ||
| ||
|
محمد أصواب (ومع) حدس عالي، وقدرة كبيرة على الإصغاء، وانتباه دقيق لتفاصيل الإبداع وتدرجاته.. فما الذي يمكن أن يكون أكثر طبيعية وجمالا من الحساسية النسائية لاحتضان الفن وإشعاعه؟ في الدار البيضاء، كما في مناطق أخرى من المغرب، غالبا ما تكون النساء وراء إدارة صالات العرض الفني. فخلف عدد من أكثر فضاءات العرض حيوية في العاصمة الاقتصادية، تقف مديرات معارض شغوفات يواكبن المبدعين ويساهمن بفعالية في هيكلة سوق الفن. فمن "رواق نظر"، أحد أقدم صالات العرض للفن المعاصر في المغرب، إلى "رواق مريم حميش" الذي أضحى اليوم من الفضاءات المؤثرة في المشهد الفني، مرورا بفضاء "ليفينغ فور آرت" المخصص للمعارض الغامرة، ثم "رواق 38 الدار البيضاء" المرتبط بكبرى المعارض الدولية، على سبيل المثال لا الحصر، تعكس عدة فضاءات رمزية بالدار البيضاء تنامي تأثير مديرات المعارض اللواتي يكتشفن المواهب، وينسجن شبكات علاقات فنية، ويساهمن في إشعاع الساحة الفنية المغربية. وفي تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، تستعرض النساء اللواتي يتولين إدارة هذه الفضاءات إسهام أروقتهن في الترويج للفنانين، ويقدمن رؤيتهن لتطوير الفن المعاصر، كما ويتقاسمن قراءتهن للحضور النسائي القوي في إدارة صالات العرض. هكذا، يندرج "رواق نظر"، الذي أسسته ليلى فراوي سنة 1974، ضمن دينامية عائلية حقيقية قوامها تناقل المشعل بين الأجيال. فبعد سنوات التحقت بها ابنتها آسية، ما شكل أول انتقال جيلي داخل إدارة هذا الرواق الفني. ومنذ سنة 2023، تولت ابنتاها أمينة وزينب، إلى جانب حفيدتها نهال، حمل المشعل، مواصلات بذلك الإرث الفني الذي أطلقته والدتهن. وتؤكد أمينة فراوي، المديرة المشاركة للرواق، أن "نظر" يضطلع بدور محوري في تسليط الضوء على الفنانين المغاربة ومواكبة تطور الفن المعاصر بالمملكة. وتضيف أنه على مدى خمسين عاما ساهم الرواق في دعم المشهد الفني المحلي من خلال اكتشاف فنانين صاعدين، وعرض أعمال فنانين مرموقين، إلى جانب تثمين مختلف التعبيرات الفنية من قبيل الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي. وتوضح أمينة فراوي أن مؤسسة الرواق، ليلى فراوي، كانت ترى أن الفن لا يمكن اختزاله في قيمة تجارية، بل هو قبل كل شيء فعل ثقافي وفكري، مضيفة أن "رواق نظر ظل وفيا لهذه الرؤية، إذ يحرص دائما على أولوية الجودة الفنية، وانتقاء الفنانين بعناية، مع تثمين الإبداع المغربي في انفتاح دائم على العالم". وفي سياق مختلف، نشأ رواق مريم حميش انطلاقا من رغبة في إحداث فضاء هجين مخصص للفن المعاصر، يجمع بين الحرية والحساسية والابتكار والانفتاح، ويرتبط بعمق بروح عصره. ومنذ افتتاحه بالدار البيضاء سنة 2022، رسخ الرواق حضوره تدريجيا كفضاء متميز لعرض أعمال فنانين مغاربة ودوليين، سواء كانوا صاعدين أو معروفين. وتوضح مريم حميش، مؤسسة الرواق، أنه في ظرف أربع سنوات تمكن الرواق من تسليط الضوء على أكثر من ثلاثين فنانا على الساحة المغربية، كما واكب عددا منهم للمشاركة في معارض دولية. وأبرزت أن مشاركة الرواق في تظاهرات فنية كبرى، مثل معرض 1-54 للفن الأفريقي المعاصر ومعرض مينارت ومعرض AKAA، ساهمت في تعزيز إشعاعه وإدماج الفنانين الذين تمثلهم ضمن شبكات فنية دولية. وأكدت حميش أن طموحها يتمثل في مواصلة تطوير الرواق باعتباره منصة فنية حقيقية قادرة على ربط مدن وبلدان وجمهور مختلف حول الفن المعاصر، مشيرة في هذا الصدد إلى افتتاح فضاءين جديدين للرواق سنة 2025 بكل من أصيلة والرباط. بدوره، يسهم رواق 38، الذي أسسه محمد الشاوي الفايز وفهر الكتاني سنة 2010، في تثمين أعمال الفنانين، ولاسيما الأفارقة، ومواكبتهم في انفتاحهم على الساحة الفنية الدولية. وأكدت نرجس لودغيري، المديرة الحالية لرواق 38 الدار البيضاء، أن هذا الأخير تمكن على مر السنوات من ترسيخ حضوره في عدد من أبرز المعارض الدولية، من قبيل "آرت جنيف" و"آرت أبوظبي" و"آرت دبي"، فضلا عن "معرض 1-54 بلندن ومراكش"، مضيفة أن افتتاح فرع جديد للرواق بجنيف يشكل محطة جديدة في مسار توسعه. وتقول السيدة لودغيري إن رؤيتها تقوم على مواصلة هذا المسار من خلال تعزيز دور الرواق في مواكبة الفنانين على المدى الطويل، وإنتاج معارض طموحة، وتطوير برامج الإقامة الفنية، بما يجعل من الرواق شبكة فضاءات مترابطة يتنقل عبرها الفن ويتجدد. في إطار مقاربة أخرى، فرض رواق "ليفينغ 4 آرت"، الذي أسسته الفنانة التشكيلية رجاء لحلو، نفسه كمنصة لتسليط الضوء على الفنانين الصاعدين والمخضرمين على حد سواء. وتوضح مريم عراقي لحلو، مديرة الرواق، أن "المقاربة المعتمدة تقوم على وضع الهوية الفنية لكل مبدع في صلب الاهتمام، والدفاع عن خصوصية عوالمهم الفنية، إذ إن لكل فنان لغة خاصة وبصمة متفردة". يمتد هذا الفضاء على مساحة تقارب 700 متر مربع، بسقف يبلغ ارتفاعه نحو خمسة أمتار، ومزود بنظام إضاءة احترافي ص مم لإبراز الأعمال الفنية، ما يتيح ظروف عرض قريبة من معايير المتاحف. وترى عراقي لحلو أن تأثير الرواق يقاس أساسا باللقاء الذي يخلقه بين الفنانين والجمهور. فهل يعد الحضور القوي للنساء على رأس الأروقة الفنية بالدار البيضاء، وفي مدن أخرى، مجرد صدفة؟ بالتأكيد لا. فالأمر يعكس بالأساس تحولا عميقا في القطاع الثقافي، حيث تبنى الشرعية عبر الرؤية والالتزام والقدرة على مواكبة المسارات الفنية على المدى الطويل. ولم تعد هذه الفضاءات تقتصر على عرض الأعمال الفنية فحسب، بل تحولت، بفضل رؤية مديراتها الشغوفات بالفن، إلى فضاءات للحوار والتبادل ونقل الخبرات، وإلى رافعات حقيقية لهيكلة المشهد الفني. وتؤكد أمينة فراوي أن إدارة الأروقة الفنية تتيح للنساء مجالا خصبا للتعبير عن رؤيتهن الإبداعية والشخصية، وهو ما يعزز حضورهن في هذا المجال، مبرزة أن حساسيتهن المرهفة تمكنهن من تدبير العلاقات الإنسانية والحوار الفني، من استقبال الجمهور إلى الوساطة الثقافية وتنظيم الفعاليات. من جانبها، ترى مريم حميش أن مجال الفن يجذب العديد من النساء لأنه يتطلب في الوقت ذاته إحساسا عاليا ورؤية فنية قوية، فضلا عن القدرة على إطلاق مشاريع فنية مبتكرة والالتزام الإنساني في مواكبة الفنانين. وتضيف أن "العمل كمديرة رواق يعني أيضا الجرأة على المجازفة والدفاع عن مقترحات فنية مختلفة، والمساهمة بالتالي في تطوير المشهد الفني". أما نرجس لودغيري فترى أن الحضور القوي للنساء في إدارة الأروقة الفنية يعكس نضج القطاع الثقافي، حيث لا ت منح الشرعية بقرار، بل ت بنى عبر الرؤية والالتزام. وتوضح أن إدارة الرواق تقتضي تحديد خط فني واضح، والمخاطرة، والدفاع عن الفنانين على المدى الطويل، واتخاذ اختيارات قيمية قد تكون أحيانا صعبة، مضيفة أن المجال الفني بات يعترف اليوم بقدرة النساء على اتخاذ القرار وبناء المؤسسات الثقافية. من جهتها، ترى مريم عراقي لحلو أن الحضور الملحوظ للنساء على رأس عدد من الأروقة بالدار البيضاء يعكس دينامية مدينة منفتحة ومتجددة، موضحة أن إدارة فضاء فني لا تقتصر على تسيير مكان للعرض، بل تشمل أيضا بلورة برنامج فني متكامل، ومواكبة الفنانين، وصياغة رؤية تجعل الفن في حوار دائم مع عصره. هكذا، وعلى مر السنوات وتعدد المعارض، ساهمت هذه النساء في تحويل الأروقة الفنية إلى ملتقيات حقيقية للإبداع. وبفضل رؤيتهن المتطلبة وحساسيتهن العالية تجاه تحولات الفن المعاصر، يساهمن في ترسيخ مكانة الدار البيضاء كساحة فنية نابضة بالحياة، منفتحة على العالم وغنية بأصوات إبداعية جديدة. | ||